الغزالي

149

إحياء علوم الدين

بل حالك في الحسد أقبح من هذا ، لأن الرمية العائدة لم تفوت إلا العينين ، ولو بقيتا لفاتتا بالموت لا محالة ، والحسد يعود بالإثم ، والإثم لا يفوت بالموت ، ولعله يسوقه إلى غضب الله ، وإلى النار . فلأن تذهب عينه في الدنيا ، خير له من أن تبقى له عين يدخل بها النار ، فيقلعها لهيب النار فانظر كيف انتقم الله من الحاسد ، إذ أراد زوال النعمة عن المحسود ، فلم يزلها عنه ، ثم أزالها عن الحاسد ، إذ السلامة من الإثم نعمة ، والسلامة من الغم والكمد نعمة ، وقد زالتا عنه ، تصديقا لقوله تعالى * ( ولا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه ِ ) * « 1 » وربما يبتلى بعين ما يشتهيه لعدوه ، وفلما يشمت شامت بمساءة إلا ويبتلى بمثلها ، حتى قالت عائشة رضي الله عنها ، ما تمنيت لعثمان شيئا إلا نزل بي ، حتى لو تمنيت له القتل لقتلت فهذا إثم الحسد نفسه ، فكيف ما يجر إليه الحسد من الاختلاف ، وجحود الحق ، وإطلاق اللسان واليد بالفواحش في التشفي من الأعداء ، وهو الداء الذي فيه هلك الأمم السالفة فهذه هي الأدوية العلمية ، فمهما تفكر الإنسان فيها بذهن صاف ، وقلب حاضر ، انطفأت نار الحسد من قلبه ، وعلم أنه مهلك نفسه ، ومفرح عدوه ، ومسخط ربه ، ومنغص عيشه وأما العمل النافع فيه ، فهو أن يحكم الحسد ، فكل ما يتقاضاه الحسد من قول وفعل فينبغي أن يكلف نفسه نقيضه . فإن بعثه الحسد على القدح في محسوده ، كلف لسانه المدح له ، والثناء عليه . وإن حمله على التكبر عليه ، ألزم نفسه التواضع له ، والاعتذار إليه . وإن بعثه على كف الإنعام عليه ، ألزم نفسه الزيادة في الإنعام عليه فمهما فعل ذلك عن تكلف ، وعرفه المحسود ، طاب قلبه وأحبه . ومهما ظهر حبه ، عاد الحاسد فأحبه ، وتولد من ذلك الموافقة التي تقطع مادة الحسد ، لأن التواضع ، والثناء ، والمدح ، وإظهار السرور بالنعمة يستجلب قلب المنعم عليه . ويسترقه ، ويستعطفه ، ويحمله على مقابلة ذلك بالإحسان . ثم ذلك الإحسان يعود إلى الأول ، فيطيب قلبه ، ويصير ما تكلفه أو لا طبعا آخرا . ولا يصدنه عن ذلك قول الشيطان له ، لو تواضعت وأثنيت عليه ، حملك العدو على العجز ، أو على النفاق أو الخوف ، وأن ذلك مذلة ومهانة . وذلك من خدع الشيطان ومكايده . بل المجاملة تكلفا كانت أو طبعا ، تكسر سورة العداوة من الجانبين ، وتقل مرغوبها ، وتعود القلوب

--> « 1 » فاطر : 43